محمد متولي الشعراوي
2783
تفسير الشعراوى
وقالوا : إن أصل العبارة « ما جاءنا بشير » ، وإن « من » جاءت زائدة حتى يتسق اللفظ . ونقول : لو أن العبارة جاءت كما قالوا لما استقام المعنى ، ولإيضاح ذلك أضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - عندما يقول واحد : « ما عندي مال » فهذا نفى أن يكون عند القائل مال ، ولعل لديه قدرا من المال القليل الذي لا يستأهل أن يسميه مالا . ولكن إذا قال واحد : « ما عندي من مال » فالمعنى أنه لا يملك المال على إطلاقه أي أنه مفلس تماما ، ولا يملك أي شئ من بداية ما يقال إنه مال . إذن « ما جاءنا بشير » ليست مثل قوله : « ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ » . فالمعنى أنه لم يأتهم أي رسول بشير أو نذير من بداية ما يقال إنه رسول . إذن فقوله الحق : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » أي بسبب نقض الميثاق فعلنا بهم كذا . لماذا إذن أثار العلماء هذه الضجة ؟ السبب في ذلك هو وجود ما بعد « الباء » وقبل المصدر ، أي أنهم نقضوا العهد بكل صورة من صوره ، فنقض العهد والميثاق له صور متعددة ف ( ما ) هنا استفهامية جاءت للتعجيب أي على أيّه صورة من صور نقض ونكث العهد لعناهم ؟ لعناهم لكثرة ما نقضوا من العهود والمواثيق . والحق قد قال : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 155 ) ( سورة النساء ) ولم يقل : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف ، طبع اللّه على قلوبهم . فوجود « بل » يدلنا على أن هناك أمرا أضربنا عنه . فنحن نقول : جاءني زيد بل عمرو . أي أن القائل قد أخطأ ، فقال : « جاءني زيد » واستدرك لنفسه فقال : « بل عمرو » . وبذلك نفى مجىء زيد وأكد مجىء عمرو . والحق قال : « بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » . كان المقتضى في الأسلوب العادي أن يقول : « بكفرهم وبقتلهم الأنبياء طبع اللّه على قلوبهم » . ولكن سبحانه لم يقل ذلك لحكمة بالغة . وحتى نعرف تلك الحكمة فلنبحث عن المقابل ل « وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » ، المقابل هو « فتح اللّه على قلوبهم بالهدى » .